أحدث الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الأخيرة تحوّلًا جذريًا في طبيعة الإنتاج المعرفي والإعلامي، حيث لم يعد دوره مقتصرًا على المساعدة التقنية البسيطة، بل أصبح شريكًا فاعلًا في صناعة النصوص، وتحليل البيانات، وإنتاج المحتوى بمختلف أشكاله، ومع هذا التوسع السريع، بدأت تظهر ظواهر جديدة تفرض نفسها على النقاش الإعلامي والأكاديمي، من أبرزها ما يُعرف بـ هلوسة الذكاء الاصطناعي.
وتتمثل هذه الظاهرة في إنتاج معلومات غير دقيقة أو مختلقة، تُقدَّم بأسلوب لغوي منظم ومقنع، ما يجعل التمييز بين الصحيح والمضلل تحديًا حقيقيًا، خاصة في بيئة إعلامية تعتمد على السرعة، والتفاعل، وتعدد المصادر.
مفهوم الهلوسة
تشير هلوسة الذكاء الاصطناعي إلى قيام الأنظمة الذكية بتوليد محتوى غير صحيح أو غير موجود أصلًا، سواء على مستوى الوقائع أو الأرقام أو المراجع، مع صياغته بطريقة تبدو دقيقة وموثوقة، ما يمنح المستخدم شعورًا زائفًا بالمصداقية.
ولا تنتج هذه الظاهرة عن خلل تقني عابر، بل ترتبط بطبيعة عمل النماذج اللغوية التي تعتمد على التنبؤ الإحصائي للكلمات والجمل، دون امتلاك فهم حقيقي للواقع أو قدرة على التحقق من صحة المعلومات.
في هذا السياق، يرى المختص محمد النذير أن هلوسة الذكاء الاصطناعي تمثل خطرًا خفيًا، لأنها لا تُقدَّم للمستخدم على أنها معلومة محتملة الخطأ، بل تأتي بصيغة تقريرية حاسمة، ما يدفع كثيرين إلى اعتمادها دون مراجعة أو تحقق.
أسباب الظهور
تعود أسباب هلوسة الذكاء الاصطناعي إلى عدة عوامل متداخلة، في مقدمتها:
- اعتماد هذه الأنظمة على بيانات ضخمة ومتنوعة، قد تتضمن معلومات متناقضة أو غير دقيقة
- عجزها عن التمييز بين المعلومة المؤكدة والتقدير الاحتمالي
- غياب السياق الكامل، أو طرح أسئلة عامة وغير محددة، يدفع النظام إلى ملء الفراغات بإجابات تبدو منطقية لغويًا، لكنها تفتقر إلى الأساس الواقعي
ويشير الدكتور محمد الحربي إلى أن المستخدم نفسه قد يكون سببًا مباشرًا في تفاقم هذه الظاهرة، عندما يعتمد اعتمادًا كليًا على الذكاء الاصطناعي، أو يستخدمه كبديل عن البحث والتدقيق، مؤكدًا أن الذكاء الاصطناعي لا يقدّم الحقيقة، بل يقدّم ما يبدو صحيحًا وفق معطياته.
أشكال متعددة
تتخذ هلوسة الذكاء الاصطناعي أشكالًا متعددة، تختلف باختلاف المجال المستخدم فيه:
في السياق الأكاديمي: قد تظهر في اختلاق دراسات أو مراجع علمية غير موجودة، أو نسب أقوال لباحثين لم يصرحوا بها.
في المجال الإعلامي: قد تتجلى في تقديم معلومات مغلوطة، أو ربط أحداث لا علاقة بينها، أو تحليل قضايا بناءً على افتراضات غير صحيحة، ما ينعكس سلبًا على جودة المحتوى المنشور.
ويوضح المهندس عبدالمجيد البلوي أن خطورة هذه الأشكال تكمن في أنها لا تبدو عشوائية، بل تأتي منظمة لغويًا، ومدعومة بأسلوب أكاديمي أو صحفي، ما يصعّب على غير المتخصص اكتشاف الخلل.
وأصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من منظومة الإعلام الرقمي، حيث يُستخدم في كتابة الأخبار، واقتراح العناوين، وتحليل اتجاهات الجمهور، إلا أن هذا الحضور المتزايد يفرض تحديات مهنية جديدة.
وترى الاستاذة رزان الجهني أن الاعتماد غير المنضبط على الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى تراجع دور الصحفي في التحقق والتحليل، ما يفتح المجال أمام انتشار المعلومات المضللة الناتجة عن الهلوسة، وتؤكد أن الإعلامي، حتى عند استخدامه أدوات ذكية، يظل مسؤولًا أخلاقيًا ومهنيًا عن المحتوى المنشور، ولا يمكنه تبرير الخطأ بكونه ناتجًا عن نظام تقني.
مصداقية المحتوى
تُعد المصداقية أحد أهم ركائز العمل الإعلامي، إلا أن هلوسة الذكاء الاصطناعي تهدد هذه الركيزة بشكل مباشر، خاصة عندما تُستخدم مخرجاته دون تدقيق.
ويشير الدكتور محمد الحربي إلى أن الجمهور لم يعد يثق بسهولة في المحتوى الرقمي، ومع تكرار الأخطاء الناتجة عن الذكاء الاصطناعي، قد تتآكل ثقة الجمهور بالمؤسسات الإعلامية نفسها، ويرى أن الحفاظ على المصداقية يتطلب التعامل مع الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة فقط، لا كمصدر نهائي للمعلومة.
تحديات أخلاقية
تطرح هلوسة الذكاء الاصطناعي إشكالات أخلاقية عميقة تمس جوهر العمل الإعلامي ومبادئه الأساسية، وفي مقدمتها مسألة مسؤولية الخطأ، إذ يبرز تساؤل محوري حول الجهة التي تتحمل تبعات نشر معلومات غير دقيقة:
- هل هي الأداة التقنية ذاتها؟
- أم الصحفي الذي استخدمها؟
- أم المؤسسة الإعلامية التي سمحت بتوظيفها دون ضوابط واضحة؟
وتزداد هذه الإشكالية تعقيدا في ظل الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى بسرعة تفوق قدرة المراجعة البشرية التقليدية.
وفي هذا السياق، يرى منصور العبيد أن غياب الأطر الأخلاقية الواضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام يزيد من خطورة الظاهرة، خاصة في بيئة إعلامية تتسم بالتنافس الحاد على السبق الصحفي وتحقيق الانتشار السريع.
ويؤكد أن حق الجمهور في الحصول على معلومات دقيقة يجب أن يظل أولوية لا يمكن التنازل عنها، ما يستدعي التزام المؤسسات الإعلامية بوضع ضوابط واضحة، تضمن مراجعة بشرية صارمة قبل نشر أي محتوى مولّد آليًا، إلى جانب ترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة، لضمان بقاء الإعلام أداة لنقل الحقيقة لا مصدرًا لتضليلها.
وعي المستخدم
يشكّل وعي المستخدم خط الدفاع الأول في مواجهة هلوسة الذكاء الاصطناعي، فكلما زادت قدرة الفرد على النقد والتحقق، تراجعت احتمالية الوقوع في التضليل.
وتوضح الاستاذة رزان الجهني أن الطلبة، بحكم تعاملهم اليومي مع الأدوات الرقمية، بحاجة إلى تدريب عملي على مهارات التحقق، وعدم الاكتفاء بالنتائج الجاهزة.
ويضيف محمد الحربي أن ثقافة السؤال والمقارنة والرجوع للمصادر الأصلية يجب أن تُرسّخ منذ المراحل التعليمية الأولى.
دور التعليم
يلعب التعليم الجامعي دورًا محوريًا في إعداد جيل واعٍ بتحديات الذكاء الاصطناعي، وقادر على توظيفه بشكل مهني وأخلاقي.
وترى رغد الشريف أن كليات وأقسام الإعلام مطالبة بتحديث مناهجها لتشمل مفاهيم الذكاء الاصطناعي، وأخلاقياته، وحدود استخدامه، بدل الاكتفاء بالمهارات التقليدية. وتؤكد أن الجمع بين المعرفة التقنية والتكوين المهني يمثل أساسًا لإعلام مسؤول في العصر الرقمي.